ابو البركات
448
الكتاب المعتبر في الحكمة
فالعقل يقدر اللذات ويخلصها من الآفات ويتيحها لمن لا يكون لغيرها اهلا كيلا يحرم ذو خير خيره ولا يقطع ذو كمال عن كماله والنفوس مختلفة في الناس من بهيمية إلى ملكية ولكل خير بحسبه ، فالنفوس الشريفة العزيزة الواصلة إلى كمالها العقلي والعارفة بما لها من اللذة العالية والسعادة التامة الصافية إذا تركت الدنايا « 1 » لنيل مالها من تلك السعادة لم يكن تركها حرمانها وإذا وصلت إلى لذتها وسعادتها بادراك مباديها وعللها نالت ما تقصر العبارة عن تصوره والخيال عن تشبيهه سعادة تامة بغير نقص صافية بغير كدر حاضرة بغير فقد خالصة بغير شوب موافقة بغير ضد دائمة بلا انقطاع مسلمة بغير مزاحم . ومن فضائل السعادات العقلية ان المزاحمة فيها تزيد في لذة الملتذ بها كلذة الناس باجتماعهم على الأشياء المسموعة والمرئية التي لا يأخذ السامع والرائي منها نصيب رفيقه فيلتذ كل بلذته ولذة صاحبه لا كالمطعومات والمنكوحات التي نيل كل واحد منها هو حرمان رفيقه فلذلك يخاصمه فيها وينازعه عليها فكذلك حال الملتذين من السعداء بالسعادة العلياء فهذه فضيلة أيضا - ولأن النفوس الانسانية تتفاوت درجاتها في الشرف والقوة وغير هما فهذه السعادة مختلفة عندها بالأشد والأضعف وفق ذلك الاختلاف الذي لها في جواهرها ، وإذا كانت العادات تقرر في النفوس من الملكات ما يثبت ويستقر مع اختلاف الأحوال والأوقات فاكباب النفوس على هذه اللذات يجعلها مألوفة محبوبة معشوقة لذيذة خصوصا إذا غفلت عن غيرها فهي تشقى بها في الحياة الدنيا وان سعدت سعادة بحسبها قبل نيلها ومعه وبعده ، واما شقاوتها قبل فبالشوق والطلب ، واما معه فبالحذر من الزوال والغاصب ، واما بعده فبالأسف والحسرة والحزن والترحة حتى يرى منها ما لا يسلو مفقوده ولا يرضى عنه عوضا كما يرى من حسرة من يفتقر بعد الغناء ويشقى بعد النعيم ويفقد الحبيب والقريب المعشوق فيرى ترحته بالفقد تزيد على فرحته بالنيل ، وهذه أحوال للنفس اعني المحبة والشوق والحسرة وليس البدن عليها ولا هي به ولا فيه فإذا فارقت النفس البدن وهي
--> ( 1 ) سع - اللذة .